محمود محمود الغراب

119

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

عادلا في رعيتك ، فتصير إلى النعيم عند اللّه ، كما تصيّر أنت من أطاعك إلى هذا النعيم ، وإن كنت عاصيا جائرا في حكمك ظالما ، فتصير إلى ضيق وعذاب وجحيم ، كما تصيّر أنت من عصاك وناواك إلى عذاب أليم ، فخف ربك وذنبك ، وأصلح مع اللّه قلبك ، وأنذر قومك ، وطهر ثوبك ، ولا يحجبنّك سلطان عادتك ، عن تحصيل أسباب سعادتك ، فإن الدنيا لمحة بارق ، وخيال طارق ، وكم من ملك مثلك قد ملكها ، ثم رحل عنها وتركها ، ولا بد لك من الرحلة عنها إلى الآخرة ، فإما أن تعمر درجها ، وإما أن تعمر دركها . واعلم أن اللّه تعالى ما جعلك ملكا على خلقه ، وأقامك بين الحق والباطل في مقام حقه ، لقصور قدرته عن إصلاح الخلق وتدبيره ، وتصريفه في إظهار الملك وتسخيره ، وإنما ضرب لك بك مثالا في عالم الفناء ، لتستدل به على ترتيب الملك الإلهي في دار البقاء ، ولهذا جعل هذه الدار الدنيا ظلا زائلا ، وعرضا مائلا ، وجعلك عنها راحلا ، فهي جسر منصوب على بحر الهلاك ، وميدان موضوع لمصارع الهلاك ، كم أبادت من القرون الماضية ، والأمم الخالية ، والجبابرة المتألهين الطاغية ، والفضلاء والحكماء ، والأدباء والعقلاء ، والأولياء والأنبياء ، فهل ترى لهم من باقية ؟ وأنت أيها الملك على قارعة مذهبهم ، وعن قريب تلحق بهم ، فإما إلى نعيم في دار الخلود بجوار الصمد ، وإما إلى عذاب الأبد ، فاجهد في تحصيل أدوات البقاء والنجاة ، فإن الدنيا متاع قليل ، والآخرة خير لمن اتقى ، والعارية مردودة ، وأعمالك بين يديك موجودة غير مفقودة ، في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، ولا علانية ولا سريرة ، وهذا الذي تعين عليّ من نصحكم إن كنتم تعلمون ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين ، واللّه يعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ، فالسعادة كل السعادة في المحافظة على الأمور الشرعية ، والقيام بالحدود الوضعية . فقال الملك : جزاك اللّه خيرا ، لقد وعظت فأبلغت ، وقذفت بالحق على الباطل فأدمغت ، وأقبل الملك معتبرا في تلك الانفعالات الدورية ، والأحكام الكورية ، ولاحت لعينه نشأة الحكمة التي أرّقته ، وشوّقته فأقلقته ، فاعتز بها سلطانه ، وتقوت بوجودها أركانه . فإن دخلت هذا الجبل ، وشرح لك الملك استقصاء مسالكه ، مع من يعرفه من ممالكه ، فستقف على تكونها ، وقوة تمكنها بعد تلونها ، وفي هذا الجبل العزيز ، يتكون الحجر